مصطفى صادق الرافعي

217

اعجاز القرآن والبلاغه النبويه

ويطبعون على قالبه ؛ وكلما كثر في اللغة لانت أعطافه ، واستبصرت طرق الصنعة إليه ، وما من بليغ أحدث في العربية منه ما أحدثه النبي صلّى اللّه عليه وسلم فهذه واحدة في الأوضاع التركيبية ، وسنبسط القول فيها . والثانية في الأوضاع المفردة ، مما يكون مجازة مجاز الإيجاز والاقتضاب ؛ وهذا الباب كانت تنصرف فيه العرب بالاشتقاق والمجاز ، فتضع الألفاظ وتنقلها من معنى إلى معنى ، غير أنها في أكثر ذلك إنما تتسع في شيء موجود ولا توجد معدوما ؛ فلم يعرف لأحد من بلغائهم وضع بعينه يكون هو انفرد به وأحدثه في اللغة « 1 » ويكون العرب قد تابعوه عليه ، إلا ما ندر لا يعد شيئا ؛ بخلاف المأثور عنه صلّى اللّه عليه وسلم في مثل ذلك ، فهو كثير تعدّ منه الأسماء والمصطلحات الشرعية مما لم يرد في القرآن الكريم ؛ ومنه ألفاظ كان العرب أنفسهم يسألونه عنها ويعجبون لانفراده بها وهم عرب مثله ؛ كما عجبوا لفصاحته التي اختص بها ولم يخرج من بين أظهرهم ، كما روي من أنه صلّى اللّه عليه وسلم قال لأبي تميمة الهجيمي : « إياك والمخيلة » فقال : يا رسول اللّه ، نحن قوم عرب ؛ فما المخيلة ؟ فقال عليه الصلاة والسلام : « سبل الإزار » ومرت الكلمة بعد ذلك على هذا الوضع ، يراد بها الكبر ونحوه . وكثيرا ما كان يسأل أصحابه عن مثل هذا فيوضحه لهم ، ويسدّدهم إلى موقعه ؛ واستمر عصره على ذلك ، وهو العصر الذي جمّعت فيه اللغة واستفاضت ، وامتنع العرب عن الزيادة فيها بعد أن سمعوا القرآن الكريم وراعتهم أسرار تركيبه ؛ فلم يكن يومئذ من يتجوز ويقتضب ويشتقّ ويضع غيره صلّى اللّه عليه وسلم ، مع أنه كان لا يتأتى إلى ذلك بالرؤية ، ولا يستعين عليه بالفكر ، ولا يجمع بالنظر ؛ إنما هو أن يعرض المعنى فإذا لفظه قد لبسه واحتواه وخرج به على استواء ، لا فاضلا ولا مقصّرا ، كأنما كان يلهم الوضع إلهاما ، وليس ذلك بأعجب من مخاطبته وفود العرب بما كان لهم من اللغات والأوضاع الغريبة التي لا تعرفها قريش من لغتها ، ولا تتهدّى إلى معانيها ، ولا يعرفها بعض العرب عن بعض ، ثم فهمه عنهم مثل ذلك على اختلاف شعوبهم وقبائلهم ، حتى قال له علي رضي اللّه تعالى عنه وقد سمعه يخاطب وفد بني نهد « 2 » : يا رسول اللّه ،

--> ( 1 ) هذا المعنى مما انفرد العرب بعلمه ، إذ لم يقع إلينا منه شيء يسمى تاريخا ولو أن أوضاع اللغة كانت منسوبة في الدواوين والمعاجم لأدركنا من إعجاز القرآن ومن قدرة البلاغة النبوية مثل ما أدركه العرب أنفسهم ، أو قريبا من هذه المنزلة ، فإن الذي تذهب إليه أن أكثر أوضاع القرآن مبتكر في البيان العربي ، وأن العرب لم يرثوه في كلامهم ، لكنا أضربنا عن الكلام في هذا الباب على سعته ، لأن أدلته قد ماتت قبل 1300 سنة من بكائنا عليها . . . ! ( 2 ) لما قدمت وفود العرب على النبي صلّى اللّه عليه وسلم قام طهفة بن أبي زهير النهدي ، وهو خطيب مفوه ، فتكلم